اشعار حب - قول احبك

المرجو تشغيل الانترنت في هاتفك ثم اعادة فتح التطبيق للتصفح الرواية كاملة

نبذة عن الرواية بدون أنترنت

رواية من أكثر الروايات العربية حديثة الإصدار متانة، تضع نفسها في أفق الروايات المؤثرة في مسيرة الفن الروائي العربي. إنها رواية "فهرس" للعراقي سنان أنطون. كم بدت الأرض قريبة فيها. وهذا التقدير الأخير يذكرنا، في إطار جدلية الأبعاد، بعنوان رواية أخرى ذات شجون عراقية، أيضاً، لبتول الخضيري: "كم بدت السماء قريبة"، مع اختلاف أكيد بينهما في البنية والتقنية.

والحديث عن الأبعاد، هنا، يغري بالاستضاءة بشيء من فلسفة هايدغر، فـ "العالم، عند هذا الفيلسوف، لا ينكشف كتقابل للسماء والأرض إلا بالنسبة للناس المعرضين للموت، الذين يفهمون ذاتهم، بكيفية معبر عنها، كمعرضين للموت، والذين يكونون بذلك قادرين على أن يتوقفوا في الاستعمال الوظيفي العادي للأشياء، وأن يقيموا عندها مستجمعين لأنفسهم. أي، إلا بالنسبة للناس المعرضين للموت بهذا المعنى الكامل للكلمة. ولهذا، فإن ما يميز الإغريق القدامى الذين كانوا يسمون الناس بالمعرضين للموت أنهم فهموا كل شيء انطلاقاً من تفاعل السماء والأرض".
ورواية سنان أنطون هي رواية فهم وهضم لكل المعاني والأشياء العراقية، إنها قريبة من الأرض، بل هي الأرض وسيرتها الجماعية. حيث القطع/ البطاقات، التي تشكل جوهر العمل الروائي، بُرّزَتْ بالتظلل. تلك التقنية الشكلية التي يرسخ خلالها المضمون العراقي الثقيل والقاتم المكتوب بهمة سردية راحت تتوخى التفصيل بإطناب يزيد في المعنى ويشفي الغليل جمالياً؛ نظراً لحجم المسؤولية الكبير، فنياً، تجاه فكرة العمل ولغته المتراكمة تراكم العمل على أرشيف المراحل والمصائر التي مرت وتمر بها بلاد الروائي.

تركة عظيمة لا يتوخى صاحب الرواية جردها آخر الليل وحسب، ولكن توثيقها وفهرستها كمتون عصيبة لا تخلو من حنين لإيقاع الحياة التي عرفتها بغداد، بلغةٍ رصينة يُوقرها ويعتني بمحبتها الروائي، بنزوعه إلى التفكير وهو يكتب؛ رغم أن القطع العراقية مكتوبة بدماء وأعصاب وعظم مفارقات وتداعيات.

على مقلب آخر، هناك لغة عملية مستخدمة في السرديات غير المظللة، أي تلك التي تقع أحداثها خارج بطاقات المخطوط/ العراق؛ فقد جاءت كإسهاب مبرّر يتناسب ومتطلبات الحياة اليومية والمتسارعة على نحو عملي في أميركا، المكان الذي يعيش فيه "نمير" أو سنان، ويقوم بتنقلاته. فهو يعمل أستاذاً جامعياً يدرس الأدب العربي هناك.
يعود نمير" المغترب عن بلده" منذ أوائل التسعينيات إلى العراق كمترجم، أي في مهمة عمل، صحبة شخصين أميركيين لتصوير فيلم موضوعه العراق بعد الاحتلال الأميركي له، وتبعات ذلك وآثاره الناجمة عنه. هناك يلتقي المترجم رجلاً يدعى "داود"، هو صاحب المخطوط محور الرواية. "داود" حامل تركة، فهو القارئ والكاتب وبائع الكتب المستعملة في شارع المتنبي في بغداد، ويقيم في الهامش ويبيت في الظلّ مع كتبه.. يرى ويرصد.

يغادر "نمير" العراق إلى أميركا فيقع في واجب عراقي، أي في وسواس المخطوط القهري الذي أرسله إليه "داود". لم يعش "نمير" تفاصيل التحولات في عراق ما بعد الاحتلال. في أميركا، سيشغل المخطوط الأستاذ الجامعي المغترب عن بلده، رغم بحث الأخير عن الوقت الخاص للعمل على متطلباته الجامعية. سيكون داود المغترب في بلده مرآة نمير. سيحلّ داود في نمير. إنه حلول، وليس احتلالاً أو سرقة مخطوط. وجه داود مخطوطا في مرآة نمير. لكن عند سرد الماضي والحاضر، فثمة وجوه كثيرة. وليس فقط "ثلاثة وجوه لبغداد"، كما هو الحال في رواية غالب هلسا، ولطالما وقع قارئها أسيراً في دوامة الالتباس الحاصل بين "ليلى" و"سهام".
لا ترغب هذه السطور في الاقتباس المباشر من أحداث رواية "فهرس" وتقديم شروح على أحداث ومصائر، بقدر ما تتوخى العبور الشفاف كصورة بالأشعة في ضياء الشمس، على مجمل الرواية كفن، والإشارة إلى المساحات المظللة في وصفها تأبينا ونبشا لعلامات صغيرة تفضي إلى مراحل كبيرة؛ بآلة سردية في عملها مهارة محسوبة.
رواية "فهرس" تضع نفسها في أفق الروايات المؤثرة في مسيرة الفن الروائي العربي. تحضر هنا، على سبيل المثال، رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح. وكأن سنان أنطون يحقق نبوءة الطيب صالح في ما يتعلق بصراخ وأنين الأشياء. كتب الطيب صالح في روايته سابقة الذكر بلغة محمومة:
"الشمسُ هي العدوّ. إنها في كبدِ السماء تماماً، كما يقولُ العرب. يا للكبد الحرّى. وستظلّ هكذا لساعاتٍ لا تتحرّك، أو هكذا يخيَّلُ للكائن الحي، حتى يئن الحجر ويبكي الشجر ويستغيث الحديد".
وها هو سنان أنطون في روايته يقول بلغة متداعية، ولكن صلبها التفكير:

"أقلتُ لك إنني أسمع ما تقوله الأشياء؟ نعم، أسمعها. وهي تعرفني وتناديني باسمي أحياناً وتناشدني أن أصغي. تتحدّث، أحياناً، كما يفعل البشر، بهدوء وبمنطق يمكن فهمه بسهولة. ولكنها تئن، تدمدم، أيضاً، وتصرخ. وأسمع صرخاتها بوضوح مؤلم. ولا أفهمه. كلا، هذا ليس صحيحاً. أفهمه جيداً لأنني أعرف أنها هي أيضاً تعاني ما أعانيه. وتعجز في كثير من الأحيان عن قول ما يعتمل في داخلها. فتصرخ بكل ما أوتيت من قوة ومن بؤس ومن غضب ومن يأس. وماذا أفعل حين أسمع صراخها الذي لا يتوقف؟ في البداية كنت أغطّي أذنيّ بكفيّ. لكن ذلك لم يخرس الصراخ. أبعده قليلاً فحسب. ثمّ شعرتُ بتأنيب ضمير ولمتُ نفسي على نرجسيتي. أضعف الإيمان هو أن أتضامن مع الأشياء وأصارخها. نعم "أصارخها". ما قرأته صحيح والنقطة ليست زائدة. لعلني أنا الذي نحت هذا الفعل! لم أقرأه في أي مكان من قبل. وهكذا قررت ألا أتجاهل صراخ الأشياء".

مواضيع أشعار حب الشائعة :

Scroll to top جميع الحقوق محفوظة لموقع اَمني للمعلوميات